فصل: مسألة يحمل الرجل على الفرس في سبيل الله فيستعيره منه فيركبه في حاجته:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة أوصي له بجارية بعد موته ثم وطئها:

وقال في رجل أوصي له بجارية بعد موته، ثم وطئها أترى ذلك انتزاعا؟ قال: لا. قيل له: فإنها وقفت حين مات خوفا من أن تكون حاملا فحمل عليها رجل فقتلها لمن تكون جنايتها؟ قال: ليستردها الذي مات لأنه يخاف أن يكون بها حمل، ولا يكون للموصى له من جنايتها شيء. قيل له: أرأيت لو لم يطأها حتى مات... بجميع ما له فمات الذي أوصى له بها أيضا. قال: يكون ورثته يقومون مقامه.
قال محمد بن رشد: قوله: يخاف أن يكون بها حمل، يدل على أنه إنما جعل الجناية عليها لسيدها الموصي بها، مخافة أن تكون حاملا منه، ولو تيقنت براءتها من الحمل لكانت الجناية عليها للموصى له بها. وهو معنى ما في كتاب الوصايا الثاني من المدونة فحملها ابن القاسم على الحمل حتى يعلم براءتها منه على أصله في غير ما مسألة. من ذلك قوله في سماعه من كتاب الاستحقاق في الذي يستحق أمة له عند رجل اشتراها ويقيم عليها البينة، فتموت بعد ذلك: إن مصيبتها منه، ويرجع المبتاع بالثمن على البائع، إلا أن يكون قد وطئها فتكون المصيبة منه، من أجل... فيها، ويرجع المستحق على البائع بالأكثر من القيمة أو الثمن إن كان عاصيا. وقد قيل: إنها محمولة على السلامة من الحمل حتى يعلم أنها حملت، فعلى هذا تكون الجناية عليها للموصى له بها وإن كان الموصي قد وطئها، إلا أن يعلم أنها كانت حاملا منه. وهو مذهب مالك في رواية أشهب عنه في الذي يشتري الأمة فيطؤها، ثم يظهر على عيب فيها، فيردها إلى البائع، فتموت قبل أن تحيض إن ضمانها من البائع المردود عليه بالعيب، إلا أن يعلم أنها كانت حاملا، فتلزم المشتري، ويرد عليه ما نقص العيب من ثمنها. وبالله التوفيق.

.مسألة قال لفلان عشرة دنانير ولفلان عشرون دينارا ولفلان ثلاثون دينارا:

وعن رجل قال: لفلان عشرة دنانير، ولفلان عشرون دينارا، ولفلان ثلاثون دينارا ثم قال في مرضه ذلك: ولفلان ولفلان ولفلان الذي أوصى لهم بعدد تلك الدنانير، لهم ثلث مالي ثم هلك، قال: يعطى الذي سمي له عشرة عشرته، والذي سمي له عشرين عشرينه، والذي سمى له ثلاثين ثلاينه، ثم ينظر إلى ما فضل بعد ذلك من الثلث، فيكون بينهما بالسوية، وقال مرة: تكون على الحصص.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة على خلاف أصله فيمن أوصى لرجل بوصيتين، إنه يكون له الأكثر منهما، كانت الأولى أو الآخرة، وقياس قول مطرف في أن من أوصى لرجل بوصيتين: إنه يكونان له جميعا إن كانتا متساويتين، أو كانت الثانية أقل؛ لأنه يحمل عليه عنده أنه استقل ما أوصى له به في الأول، فزاده ما في الثانية، وكذلك حمل ابن القاسم على الموصي في هذه المسألة أنه استقل ما أوصى به لكل واحد منهم من التسمية التي أوصى له بها، فزادهم بقية الثلث بقوله: لهم ثلث مالي، فمرة قال: إن ذلك يكون بينهم على السوية إذا لم يقل فيها: إنها تكون بينهم على قدر ما أوصى لهم به، ومرة قال: إنما يكون بينهم على قدر ما أوصى لهم به أولا؛ لأنه لما فضل بعضهم على بعض فيما أوصى لهم به أولا، ثم زادهم زيادة حكم للزيادة بحكم المزيد عليه من التفضيل. والقولان محتملان، وهو أظهر. والله أعلم.
والذي يأتي في هذه المسألة على أصل ابن القاسم في الذي يوصى له بوصيتين، أن له الأكثر منهما. أن يقتسموا جميع الثلث بينهم على أكثر ما أوصى به لكل واحد منهم من التسمية التي سماها له، أو ثلث الثلث. وإن كان في المال عروض جرى الحكم في ذلك على الاختلاف الذي قد ذكرناه في رسم الوصايا الصغير، من سماع أصبغ، وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى في مرضه فقال ثوبي هذا بيعوه وتصدقوا بثمنه فإنه ليس لي:

وسئل عن الذي أوصى في مرضه، فقال: ثوبي هذا بيعوه وتصدقوا بثمنه، فإنه ليس لي، وثوبي هذا الآخر بيعوه وتصدقوا بثمنه فإنه ليس لي، وإنما اغتصبته، ونحو هذا، ولفلان علي مائة دينار، ولفلان أيضا مائة لقوم سماهم معروفين، ولفلان علي خمسون دينارا وهم يسكنون في بلد كذا وكذا لقوم لا يعرفون، ولو طلبوهم لأعجزوهم.
قال ابن القاسم: إن لم يكن على ما ذكر بينة إلا إقراره، فإنه يبدأ بالثياب التي أوصى بها أن تباع، ويتصدق بثمنها تباع، ويتصدق بثمنها بها، ثم يتحاص أصحاب الدين الذين يعرفون، والذي لا يعرفون، وإن قامت البينة على ما ذكر، فإنه يحاص في الثياب وفي الدين الذي ذكر لقوم يعرفون، ولقوم لا يعرفون جميعا.
قال محمد بن رشد: قوله: إن لم يكن على ما ذكر بينة معناه: إن لم يكن ما ذكر من الديون التي أقر بها بينة؛ لأنه إذا لم يكن لهم بينة على ديونهم، لم يكن لهم حجة فيما أقر به من الثياب، أنه لا شيء له فيها، إذ لو شاء لم يقر لهم بشيء، كما أقر لابنه بمائة دينار، ولرجل أجنبي بمائة، فليبدأ بالثياب التي أوصى أن تباع ويتصدق بثمنها، وتكون الديون التي أقر بها للذين يعرفون، والذين لا يعرفون فيما بقي من ماله بعدها، فيتحاصون في ذلك، فما ناب الذين يعرفون أخذوه، وما ناب الذي لا يعرفون وقف لهم، فإن لم يأت له طالب تصدق به، وهذا إذا كان له ولد، على قياس ما مضى من قوله في هذا السماع، وفي غيره من المواضع، وأما إن لم يكن له ولد فالذين يعرفون أحق بما بقي بعد ثمن الثياب التي أوصى أن تباع، ويتصدق بثمنها؛ لأن إقراره لمن لا يعرف لا يجوز إذا كان يورث كلالة، وإن فضل من المال فضل بعد دين الذين يعرفون وقف الدين على الذين لا يعرفون إن كان يسيرا، وإن كان للورثة إن كان كثيرا على قياس ما مضى في صدر هذا السماع وفي غيره أيضا.
وقوله: فإن قامت البينة على ما ذكر، معناه: فإن قامت البينة على الديون التي أقر بها يحاص في ثمن الثياب بالديون التي ذكر لقوم يعرفون ولقوم لا يعرفون، ذلك بين على ما قاله؛ لأنه إذا كانت لأرباب الديون بينة على ديونهم لم يصدق فيما أقر به من أن الثياب لا شيء له فيها، وبطلت وصيته بالتصدق بها.
وقوله: يحاص في الثياب وفي الديون الذي ذكرها خطأ في الرواية، وصوابه فإنه يحاص في الثياب بالدين الذي ذكر لقوم يعرفون، ولقوم لا يعرفون. وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى فقال ثلثي لعبد الله ومحمد وأحمد:

وقال في رجل أوصى فقال: ثلثي لعبد الله ومحمد وأحمد، لمحمد عشرة، ولأحمد عشرين. وسكت عن عبد الله، فلم يسم له تسمية أكثر من الوصية الأولى. قال: ينظر إلى عدة الثلث كم هو فيضرب عبد الله بثلث الثلث، وأحمد ومحمد، وأحمد لعبد الله عشرة، ولمحمد عشرين، ولأحمد ثلاثين، ضرب عبد الله بعشرة أجزاء، ومحمد بعشرين، وأحمد بثلاثين، كان لعبد الله سدس الثلث، ولمحمد ثلث الثلث، ولأحمد نصف الثلث. وإنما ثلث الثلث إن سكت عن التسمية بمنزلة التسمية سواء يضرب معهم بعدة ثلث الثلث.
قلت: قصر الثلث أو زاد، فعلى هذا يكون في جميع هذه الوجوه، قال: نعم. قيل له: فإن قال: ثلثي لعبد الله ولمحمد وأحمد لعبد الله عشرة ولأحمد عشرة، ولمحمد عشرة. قال: هذا بينهم أثلاثا كما هو، وليس في ذلك تفضيل، إنما هو إذا فضل بعضهم على بعض في التسمية.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه قد بين كيف يكون الثلث بينهم بقوله: لمحمد عشرة، ولأحمد عشرين، وسكوته عن عبد الله؛ لأنه لما سكت عنه بقي على ما يجب له بقوله: ثلثي لفلان وفلان وفلان وهو ثلث الثلث. فبذلك يحاص الموصى لهما بالتسمية. وهذه المسألة تبين المسألة التي مضت في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم حسبما ذكرناه.
تم جميع كتاب الوصايا والحمد لله.

.كتاب الصدقات والهبات الأول:

.وهب لرجل لثواب فأفلس:

من سماع ابن القاسم من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال: من وهب لرجل لثواب، فأفلس فهو على هبته، بمنزلة من باع سلعته، إلا أنها تقوم يوم وهبها. قال سحنون: يريد بذلك: إذا أراد الغرماء حبسها ودفع القيمة إليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا أفلس الموهوب له الهبة للثواب قبل دفع الثواب، فرب الهبة أحق بها من الغرماء؛ لأن الهبة للثواب بيع من البيوع، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه قيمتها. قال في هذه الرواية: يوم وهبها، ومثله في رسم العتق من سماع عيسى، وفي رسم البيوع من سماع أصبغ، وفي آثار المدونة وفي الموطأ يوم قبضها، ومثله في الشفعة من المدونة. وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في ضمان السلعة المحتسبة بالثمن. وقد اختلف في ذلك قول مالك فعلى القول بأن ضمانها من البائع تكون القيمة في السلعة الموهوبة يوم القبض، وعلى القول بأن ضمانها من المبتاع تكون القيمة فيها يوم الهبة، وهو اختيار ابن القاسم. واختار ابن المواز أن تكون القيمة فيها يوم القبض، إلا أنه اعتل في ذلك بعلة غير صحيحة، فقال: لأنه بالخيار في ردها قبل أن يقبضها وهو بالخيار أيضا في ردها بعد قبضها ما لم تفت، فيلزم على تعليله أن تكون القيمة فيها يوم الفوت، وهذا ما لم يقولوه، ولا يوجد لهم. وهذا على القول بأن من حق الواهب للثواب أن يمسك هبته حتى يقبض عوضه كالبيع، وهو نص ما في كتاب الهبة من المدونة. وأما على القول بأنه ليس له أن يمسكها، ويلزمه دفعها بخلاف البيع؛ لأنها مكارمة فضمانها بعقد الهبة من الموهوب له على كل حال، ولا يدخل فيها من الاختلاف ما يدخل في المحبوسة بالثمن، وتلزمه القيمة إن فاتت يوم الهبة لا يوم القبض باتفاق.

.مسألة أفلس رجل وقد رهن سلعة اشتراها بدين:

قال مالك: وإن أفلس رجل، وقد رهن سلعة اشتراها بدين، فإن صاحبها مخير بين أن يقرها في يد المرتهن، ويحاص بثمنها الغرماء فذلك له، وإن أحب أن يفتدي سلعته من يد المرتهن، ويحاص الغرماء بما فداها به فعل، والمرتهن أولى بما في يديه من الرهن حتى يستوفي حقه، وما فضل فهو للغرماء.
قال الإمام القاضي: زاد في رسم الأقضية الأول من سماع أشهب من كتاب المديان والتفليس في هذه المسألة إنه إن افتداها من المرتهن كان الغرماء بالخيار، إن شاءوا دفعوا إليه، وإن شاؤوا أعطوه ثمنها، فإن أعطوه ثمنها وتركها حاص في جميع ذلك بما افتداها به، ولا يحاص بثمنها إلا في إسلامها للمرتهن وتركها، وهي زيادة بينة؛ لأن بائع السلعة إذا أعطي ثمن سلعته فلا حجة له عليه، وكذلك لا حجة لهم عليه في محاصته إياهم بما أهابه؛ لأنه لو لم يفتدها لكان المرتهن أحق بها، ولزمهم معهم أن يفتدوها منه بما ارتهنها به من مال الغريم، فإذا افتداها هو منه على أن يحاصهم بما افتداها به فقد نفعهم. المسألة كلها بينة صحيحة. وقد قيل: إنه لا يضرب بما افتك به الرهن، كافتكاك رقبة العبد الجاني إذا كان قد باعه وجنى، وفلس المشتري قبل أن يفتكه، وهو بعيد. والفرق بينهما أن العبد الجاني لا يلزم سيده أن يفتكه بجنايته، وله أن يسلمه بها، والرهن يلزم الراهن أن يفتديه بما رهنه، وليس له أن يسلمه بذلك وبالله التوفيق.

.مسألة تصدق على ولده فاقتسمه الذكور دون الإناث ثم طالب النساء بحقهن:

وقال مالك في صدقة تصدق بها على رجل من نخل أو غلة على ولده فرأى أن النساء ليس لهن فيها حق، فاقتسموها بين الذكور زمانا، ثم بلغ النساء: أن لهن فيها حقا، فطلبن ذلك، قال: يأخذن فيما يستقبلن ولا يكون لهن فيما مضى من الغلة شيء، قال ابن القاسم: وذلك رأيي. ونزلت فرأيت ذلك، وإنما هو بمنزلة ما قال لي مالك في الدار يرثها الولد فيسكنون فيها الزمان، ثم يأتي أولاد له آخرون لم يكونوا علموا بهم أنهم لا شيء عليهم فيما سكنوا. قال سحنون: أخبرني علي بن زياد عن مالك أن الغيب يرجعون على الحضور بكراء حصتهم مما سكنوا، علموا أن ثم وارث غيرهم أو لم يعلموا. أو محمل الغلة عندي محمل السكنى.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه المسألة: إن النساء يأخذن فيما يستقبلن، ولا يكون لهن فيما مضى من الغلة شيء، معناه: في الصدقة المحبسة، لا في الصدقة المبتولة على ولده بأعيانهم: ذكورهم وإناثهم، وتابع ابن القاسم مالكا رَحِمَهُ اللَّهُ على ما قاله في غلة الحبس، قياسا على ما قاله في السكنى في غير الحبس. والغلة في غير الحبس مخالفة عنده وعند مالك للسكنى يجب لمن جهله حقه فيها مدة، فلم يأخذه أن يأخذه فيما مضى وفيما يستقبل، وذلك منصوص عليه لابن القاسم في المبسوطة وخالفت رواية علي بن زياد عن مالك لرواية ابن القاسم في السكنى في غير الحبس، فراءه في رواية علي بن زياد عن مالك كالغلة في غير الحبس ورأى في رواية ابن القاسم عنه بخلاف ذلك، كالغلة في الحبس فيتفق في الغلة في غير الحبس، على أنه يأخذ حقه فيما مضى وفيما يستقبل، ويتفق أيضا في السكنى في الحبس، على أنه لا شيء له فيما مضى، بل لا يأخذ فيما يستقبل إلا ما فضل عن الساكن؛ لأن حكم السكنى في الحبس لا يخرج فيه أحد لأحد، ويختلف في الغلة في الحبس، وفي السكنى في غير الحبس على قولين: أحدهما لا شيء لهم في شيء من ذلك إلا فيما يستقبل، وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك، والثاني إنهن يأخذن حقهن فيما مضى وفيما يستقبل، وهو الذي يأتي على رواية علي بن زياد، عن مالك في غلة الحبس، ونص قوله في السكنى في غير الحبس. والفرق على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، بين الحبس وغير الحبس في الغلة، هو أن الحبس إنما يقسم على الحبس عليهم بالاجتهاد ويفضل فيه فقيرهم على غنيهم، ومن مات منهم قبل طيب الثمرة، أو قبل القسم، وإن كان ذلك بعد طيب الثمرة على الاختلاف في ذلك سقط حقه، ورجع على بقيتهم، إذ ليس حقه فيه ثابتا، بخلاف الملك الذي يعرف حق كل واحد من الأشراك فيه، ويورث عنه طاب أو لم يطب، أبر أو لم يوبر. والفرق على مذهبه بين السكنى والغلة هو ما قاله في المدونة من أنه إنما سكن ولم يعلم بأخيه، ولو علم لكان في نصيبه ما يكفيه، فلم ينتفع بحظ أخيه بشيء أخذه، والغلة بخلاف ذلك. وبالله التوفيق.

.مسألة الأب يجوز لابنه الصغير ما تصدق به عليه:

وقال مالك: ومن تصدق على ولده وهو صغير، بدين كان له على أحد، ثم اقتضاه الأب بعد ذلك، فهو بمنزلة العبد، يتصدق به عليه، ثم يبيعه فالثمن للابن، ولا يكون بمنزلة الذهب إذا تصدق بها وهي في يديه، فليست للابن إذا لم يجعلها على يدي غيره.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الأب يجوز لابنه الصغير ما تصدق به عليه أو وهبه من الأصول والعروض التي تعرف بأعيانها باتفاق. والأصل في ذلك قول عثمان بن عفان من نحل ولدا له صغيرا لم يبلغ أن يجوز نحله، فأعلن ذلك وأشهد عليها فهي جائزة، وإن وليها أبوه. وأما الذهب والورق، وما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه من المكيل كله والموزون كان مما يوكل أو مما لا يوكل، كالحديد والرصاص والكتان، فقيل: إنه لا يجوز الأب لابنه الصغير وإن عن له وطبع عليه بحضرة الشهود ولا تكون حيازته له، إلا أن يضعه له بيد غيره، وهو قوله في هذه الرواية وفي رسم طلق ورسم اغتسل بعد هذا من هذا السماع وروى مطرف عن مالك: أنه إذا صرها بحضرة الشهود، وختم عليها بخاتمه، ثم رفعها عن نفسه، فوجدت كذلك بعد موته، إنها جائزة ماضية لابنه، وإن لم يختم عليها الشهود، ولو ختموا عليها كان أحرى وأحسن. وهو قول ابن الماجشون، وابن نافع، والمدنيين، ومثله في الموطأ لمالك، وهو قوله فيه: إنه من نحل ابنا له صغيرا ذهبا أو ورقا ثم هلك وهو يليه إنه لا شيء للابن من ذلك، إلا أن يكون عزلها بعينها أو دفعها إلى رجل وضعها لابنه عنده، واللؤلؤ والزبرجد، بمنزلة الذهب والفضة في ذلك، إذ لا يعرف بعينه إذا غيب عليه، والدين حكمه حكم العرض، فإذا وهب لابنه الصغير دينا له على رجل، ثم اقتضاه منه بعد ذلك فهو كما قال بمنزلة العرض، يتصدق به عليه ثم يبيعه بعد ذلك، إن الثمن يكون للابن في ماله في حياته وبعد وفاته، وجده أو لم يجده؛ لأن تنصيص العرض المتصدق به بالبيع كقبض الدين، وسواء باع العرض لابنه باسمه، أو جهل ذلك فلم يعلم أن كان باع لنفسه أو لابنه. وأما إن باع ذلك لنفسه نصا على سبيل الرجوع فيها والبيع لها فالبيع مردود، والصدقة جائزة. ويتبع المشتري الأب بالثمن في حياته وبعد وفاته وجده أو لم يجده؛ لأن الصدقة قد كانت حيزت للابن، ولو كانت الصدقة دارا يسكنها الأب فباع قبل أن يرحل عنها بنفسه استرجاعا لصدقته، واستخلاصا لفسخ البيع إن عثر عليه في حياته، ومضت الصدقة للابن، وإن لم يعثر على ذلك حتى مات الأب بطلت الصدقة، فلم يكن للابن فيها حق ولا في الثمن وصح البيع للمشتري. وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى لبني فلان مثل بني زهرة ومن يعرف ومن لا يعرف:

قال مالك: من قال: كذا وكذا من مالي صدقة على بني فلان مثل بني زهرة، ومنهم الغائب والحاضر، ومن يعرف ومن لا يعرف. قال: يقسم بين من كان منهم معروفا من حاضر أو غائب، فإن جاء أحد بعد ذك لم يكن عرف مكانه ردا عليه الآخرون قدر حصته.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن بني الرجل الذين أوصى بصدقة المال عليهم، يحاط بهم لغلتهم، فهم الذين يقسم عليهم المال بالسواء، حاضرهم وغائبهم، على هذه الرواية، وأحد قولي ابن القاسم في المدونة في الذي يوصي لإخوانه وأولادهم فإن جاء بعد ذلك أحد منهم لم يعرف رد عليه الآخرون قدر حصته كما قال، ومن مات منهم على هذه الرواية بعد موت الموصي، كان حقه لورثته، ومن ولد منهم بعد موته لم يكن فيها حق. وقد قيل: إن الوصية تقسم عليهم بالاجتهاد لا على السواء، فيكون لمن أدرك القسم منهم الأحق فيها لمن مات قبل ذلك أو جهل فلم يعرف، وهو أحد قولي ابن القاسم في المدونة ورواية ابن وهب فيها. وأما إذا كان بنو فلان الذين أوصى لها لا يحاط بهم لكثرتهم مثل بني زهرة، وبني تميم فلا اختلاف في أنهم كالمساكين، يقسم ذلك بالاجتهاد على من أدرك القسم منهم، ولا شيء لمن غاب منهم إن أتى بعد ذلك، ففي قوله في هذه الرواية: مثل بني زهرة نظر؛ لأن بني زهرة لا يحاط بهم لكثرة عددهم، فينبغي أن يتأول على ما يصح، فيقال: إنه لم يرد مثل بني زهرة بن كلاب بزمرة الذي ينتسب الزهريون إليه؛ لأن عددهم كثير لا يحاط بهم، وإنما أراد مثل أن يقول بني فلانة لامرأة تسمى زهرة. وأما إذا أوصى لبني فلان، وسماهم بأسمائهم فلا اختلاف أنه يقسم عليهم بالسواء، حاضرهم وغائبهم. وإن غاب أحد منهم فينسى، ثم جاء رجع على كل واحد منهم حتى يستوفي حقه، فالوجهان متفق عليهما. والوجه الثالث مختلف فيه كما ذكرت لك. وبالله التوفيق.

.مسألة وهب هبة للثواب فمات الموهوب له وبقي الواهب:

ومن كتاب أوله حلف ألا يبع رجلا سلعة سماها:
قال مالك: ومن وهب هبة للثواب، فمات الموهوب له، وبقي الواهب يطلب حقه فذلك له ما لم يطل ذلك حتى يرى أنه قد تركه، وإن هلك الواهب فورثته على حقه، ما لم يطل ذلك حتى يرى أنه قد تركه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الهبة للثواب بيع من البيوع، فوجب أن يحل ورثة كل واحد من الواهب والموهوب له محله، ولا تبطل الهبة بموت الواهب، ولا حقه في الثواب؛ لأن ورثته يحلون محله في ذلك ما لم يطل، حتى يتبين أنهم قد تركوا الثواب، وكذلك أيضا إن مات الموهوب له وبقي الواهب، فهو على حقه في العوض قبل الورثة ما لم يطل ذلك أيضا حتى يرى أنه قد رضي بترك حقه في الثواب؛ لأنها هبة طريقها المكارمة لا المكايسة. وبالله التوفيق.

.مسألة الأب يحوز لبنيه الصغار ما وهبه لهم:

وسئل عن رجل حلى صبيا له حليا فمات أبوه، فقال الورثة: نحن نأخذ هذا الحلي فنقتسمه ميراثا، قال مالك: لا أرى ذلك، وأراه للصبي دونهم ومثله الصبايا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن الأب يحوز لبنيه الصغار ما وهبه لهم، وما حلاهم إياه من الحلي فقد وهبه لهم؛ لأنه بمنزلة ما كساهم من الثياب؛ لأنه مما يلبس كما يلبس الثياب. قال تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18] فهو محمول على الهبة، إلا أن يشهد الأب أنه لم يحلهم إياه إلا على سبيل الإمتاع. وبالله التوفيق.

.مسألة يتصدق على ابنه الصغير بالعبد ويشهد له عليه:

وسئل عن الرجل يتصدق على ابنه الصغير بالعبد، ويكتب له بذلك كتابا، ويشهد له عليه، فيقيم العبد على ذلك ما شاء الله السنتين أو أكثر، ثم يتبع نفس السيد العبد فيشتريه من ابنه بثمن، ويشهد له على ذلك، ويقول: قد ابتعته بكذا وكذا فهي له عندي، ثم يموت الأب ويطلب ذلك الغلام الثمن، أتراه له على أبيه؟ فقال لي: ما أحرى مثل هذا إذا صح أن يجوز ذلك. وقال عيسى: قال لي ابن القاسم: وأنا أرى ذلك جائزا فقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: أجاز في هذه الرواية إذا تبعت نفسه العبد الذي تصدق به على ابنه أن يشتريه منه كما قال في المدونة في الجارية، وهو في الجارية أعذر منه في العبد، إذ قد تعلق نفسه بها، فيتأذى بفراقها، فلو تصدق بالجارية على أجنبي ثم تبعتها نفسه، وتعلقت بها لما بعد أن يجوز شراؤه لها، والعبد بخلاف ذلك. فدلت هذه الرواية على أنه يجوز له أن يشتري ما تصدق به على ابنه، بخلاف الأجنبي، للشبهة التي له في مال ابنه. يقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أنت ومالك لأبيك» ألا ترى أنه قد جاز في رسم نذر سنة بعد هذا إذا تصدق على ابنه بالغنم أن يكتسي من صوفها ويأكل من لحومها، ويشرب من ألبانها، ومثله لمالك أيضا في رسم شهد من سماع عيسى. قال في رسم نذر سنة: وإذا تصدق عليه في مال ابنه بالحائط فله أن يأكل من ثمره إذا أطعم. وقال في كتاب ابن المواز: إذا رضي ابنه بذلك، وكان كبيرا ممن يصح منه الرضا. قال ابن القاسم: ولم أره يراه مثل الأجنبي، يريد أنه لا يجوز في الأجنبي أن يشتري منه شيئا مما تصدق به عليه، ولا أن يأكل من غلته بغير شراء لنهي النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- المتصدق أن يعود في صدقته وأن يشتريها. وقال في الفرس: لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه. واختلف هل يجوز أن يشتري من المتصدق عليه غلة ما تصدق به عليه؟ فقيل: إن ذلك جائز، قياسا على العرايا التي أجيز المعرى أن يشتري ما أعرى بخرصه إلى الجداد. وكره أشهب ذلك، وهو الصواب؛ لأن العرايا هي نفس ما أعرى فإنما جاز شراؤها للمعري للسنة القائمة فيها، ولأنها هبة ليست بصدقة، فلا يصح قياس شراء غلة الصدقة، على شراء ثمر العرية، ويجوز شراء غلة الصدقة من غير الذي تصدق به عليه دون خلاف أذكره في ذلك. واختلف هل يجوز شراء أصل الصدقة من غير الذي تصدق عليه ففي المدونة إن ذلك لا يجوز، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا بأس بذلك، وأما قوله في ثمن العبد الذي تصدق به على ابنه ثم اشتراه منه فمات ما أحراه أن يجوز إذا صح، فصحة ذلك تبين بأن يتصدق بالعبد عليه، ثم يشتريه منه بعد مدة، فيعلم أنه شراء صحيح بعد صدقة متقدمة؛ لأنه إن تصدق عليه بالعبد ثم اشتراه منه في فوره ذلك اتهم على أنه لم يتصدق عليه بالعبد، وإنما أراد أن يكتب له على نفسه دينا يأخذه بعد موته، فتحيل لجواز ذلك بإظهار الصدقة، ويحتاج أيضا إلى معرفة السدس للابن، كي لا يشتريه منه بأقل من قيمته؛ لأن الأمر فيما بينه وبينه، فهو فيه محمول على غير السداد، بخلاف ما بيع له ويشترى من غيره، وذلك بين من قول ابن القاسم في كتاب الجعل والإجارة من المدونة وفي رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب النكاح؛ لأنه شرط في شراء الأب لنفسه الرأس يساق إلى ابنته البكر في صداقها أن يكون الشراء صحيحا بينة وأمر معروف. وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يعطى الشيء يوصل به يستحب له أخذه أم تركه:

ومن كتاب أوله شك في طوافه:
وسئل مالك عن الرجل يعطى الشيء يوصل به، يستحب له أخذه أم تركه؟ قال: بل تركه أفضل له إن كان عنه غنيا إلا أن يخشى الهلاك، ويكون محتاجا، فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الأفضل له الأولى به أن لا يأخذه وأن يتركه إذا لم يكن إليه محتاجا لقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إن خيرا لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئا، قيل: ولا منك يا رسول الله. قال: ولا مني».

.مسألة جعلت خلخالين لها في سبيل الله إن شفاها الله من مرض مرضته:

ومن كتاب البز:
وسئل مالك عن امرأة جعلت خلخالين لها في سبيل الله إن شفاها الله من مرض مرضته، فبرأت فأرادت أن تحبسهما فتخرج قيمتهما فتجعلها في سبيل الله، فكره ذلك، وقال: لا أحبه. قال سحنون: إنما يكره هذا من أجل الرجوع في الصدقة.
قال محمد بن رشد: لمالك في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب النذور، فيمن قال لشيء من ماله، دابة أو عبدا أهديك، إنه مخير في ثمنه أو قيمته، فذهب بعض أهل النظر، إلى أن ذلك مخالف لهذه الرواية، ولما في المدونة من أنه إن أهدى عبده يخرج بثمنه هدايا؛ لأن الظاهر منه أنه لا يجوز له أن يمسكه، ويخرج قيمته من أجل الرجوع في الصدقة كما قال في هذه الرواية.
والذي أقول به: إنه لا اختلاف في شيء من ذلك، وإنما اختلف الجواب في ذلك لافتراق المعاني. فإذا أودى ما أهدى بعينه، أو جعل في السبيل ما ينتفع به فيه بعينه لم يجز أن يمسكه ويخرج قيمته، وإذا أهدى ما لا يهدى بعينه، وإنما سبيله أن يباع ويشترى بثمنه هدي، جاز أن يمسكه ويخرج قيمته، وإذا جعل في السبيل ما لا ينتفع بعينه فيه، وهو يمكنه أن يدفعه كما هو لمن يبيعه وينفقه في السبيل كره له أن يمسكه ويخرج قيمته من ناحية الرجوع في الصدقة، ولم ير ذلك حراما إذ ينتفع به الذي أعطيه في السبيل بعينه ولابد له من بيعه.

.مسألة يحمل الرجل على الفرس في سبيل الله فيستعيره منه فيركبه في حاجته:

وسئل عن الرجل يحمل الرجل على الفرس في سبيل الله، فيستعيره منه فيركبه في حاجته والشيء القريب، قال: لا أحب ذلك. وقال مالك: قد وهب ابن عمر ناقة له لابن ابنه: ابن وافد فأخذها وركبها فصرع عنها وقال: ما كنت لأصنع مثل هذا.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف فيمن تصدق في شيء أنه لا يجوز له أن يأكل شيئا من غلته، حسبما مضى القول فيه في رسم حلف. وأرى هذا أحق لأن ركوبه في الشيء الخفيف، لا ينقص منفعته شيئا في الجهاد، بل قد يكون ركوبه أنفع له من وقوفه، ولذلك قال: لا أحب ذلك، ولم يحرمه، بخلاف غلة ما تصدق به لأن الغرض في التصدق بما له غلة، الغلة لا ما سواها، وكراهية ابن عمر لركوبه الناقة التي وهبها لابن ابنه ابن وافد تورع منه؛ لأن النهي إنما جاء في الصدقة لا في الهبة، إلا أن تكون الهبة لفقير على وجه صلة الرحم، فيكون بمعنى الصدقة وبالله التوفيق.